دراسات اقليمية

Case Studies from different countries have been selected to highlight the range of water harvesting systems in the Mediterranean region:

المعرفة الأهلية بالفجارات فى جنوب غرب الجزائر. SUD TIMMI عبد الكريم بن حسن  (سود تيمى، الجزائر)

فى جنوب غرب الجزائر كانت الفجارات، وربما لاتزال، أكثر المصادر المائية التى يعتمد عليها شيوعاً. ولهذا، تعتمد المستوطنات البشرية فى هذه المنطقة القاحلة بشكل كامل على استنباط الماء  (water-harvesting) من المياه الجوفية عن طريق الفجارات (القنوات). غير أنه لسوء الحظ، فان هذا النظام الموروث لاستنباط الماء والذى ظل حياً لقرون يتعرض الأن للتهديد بسبب عدد من المشاكل الخطيرة التى تؤدى، فى أسوأ الحالات، الى هجرانه، وهى الظاهرة التى تعرف محلياً ب"موت الفجارات".

وطبقاً للسكان المحليين فى هذه المنطقة، مع خبراء الفجارات وملاكها، فان المشكلة الرئيسية للفجارات تكمن فى النفقات المتزايدة لأعمال الصيانة التى يجب القيام بها بانتظام. وتزداد هذه المشكلة حدة فيما لو أخذنا فى الاعتبار التغيرات العميقة والسريعة التى تؤثر على المجتمعات المحلية، وتشمل هجرة الشباب وظهور العمالة المأجورة.

وكأحد عناصر مشروع أكبر خاص بالفجارات فى جنوب غرب الجزائر، يعد العمل المشار اليه هنا خطوة صغيرة على طريق تطوير أدوات وتقنيات علمية مناسبة يمكنها أن تخفض كثيراً تكلفة صيانة الفجارات.

الهدف
كجزء من مشروع الشادوف فقد تولينا دراسة تهدف الى تطوير نموذج تشخيصى يمكنه تفسير الخصائص المختلفة للفجارات. وهو مايسمح لنا بتطوير نماذج لتقليل تكلفة صيانة الفجارات وضمان بقاءها فى المستقبل.

 اننا نؤمن بأن أى نموذج للتصنيف لايشمل المعرفة الأهلية وخبرات السكان المحليين سيظل يعانى من  النقص والقصور والعجز. وبالتالى، فان نموذجنا قد وضع على أساس المعرفة الكامنة الموروثة لدى المجتمعات المحلية، ويركز على ماتعتبره المجتمعات المحلية، وخاصة الملاك والمستخدمين ومديرى الفجارات، كنتيجة لاختلاطهم اليومى معها، وخبراتهم المتعلقة بالمشاكل الأساسية والحلول المنتظرة. 

نظم الشادوف حول منطقة تميمون وشمال غرب بين كارزاز وبنى عبس، منطقة جنوب غرب الجزائر بمحاذاة الصحراء الغربية. (عبد الكريم بن عمار، USTO ، الجزائر).

ان النشاط الزراعى المكثف واستخدام الطلمبات من الأسباب الرئيسية لانخفاض مستوى منسوب الماء. ويمكن فقط للاستعمال الرشيد للماء من أجل الزراعة أن يسهم فى حل مشكلة المياه. ويمكن تحقيق هذا بمساهمة فعالة للمهنيين والعلماء الزراعيين. وكلما زاد غور المياه، قلت فاعلية الشادوف المستخدم تقليدياً فى رفع الماء. اذ ينبغى تكبيره كى يصل الى الأبار الأعمق. وينصح أن تستعمل فقط نظم جريان الماء الطبيعية. كما ينصح أيصاً بتعميق الأبار كى تجلب ماءً أكثر وتخفيض ملوحة الماء. وفى وادى الصورة  حيث تشهد الأرض انحداراً ملحوظاً فى العديد من الأماكن، فانه يوصى باستخدام السواقى وقنوات الصرف بسبب كلفتها الاقتصادية القليلة نسبياً. ويمكن للاستخدام الميكانيكى للأبار أن يتسبب فى زيادة جريان الماء، غير أن مشكلة غزو الرمال مضافة الى مشاكل صيانة طلمبات المياه يمكنها أيضاً عرقلة استخدام مثل هذا النظام. ولاتزال الرمال مشكلة كبرى تهدد الزراعة المحلية.

شادوف متعدد القوائم بطل استعماله ويمكن رؤية الكثبان الرملية المتقدمة فى خلفية المنظر (USTO الجزائر)

تطبيقات تكنولوجيا المعلومات وادارة الخطارات فى المغرب (سمير الجعفرى، UMI، المغرب)

لتحسين ادارة مياه الخطارات بالمغرب، تم تطوير قاعدة معلومات والاستشعار عن بعد وتحليلات احصائية و SIRS . وتسمح هذه الأدوات الخاصة بتكنولوجيا المعلومات بتقدير المخاطر وضمان وسائل أفضل لفهم مسارات العلاقات بين الاستعمالات المنزلية، والرى وادارة المراعى، والصرف، وتذبذب منسوب الماء والمطر ومنطقة جلب الماء.

وتواجه الخطارات تهديد التصحر نتيجة تغير المناخ، وتراكم الرمال التى تحملها الرياح، والتملح، وسحب الماء بشكل مبالغ فيه. وهو مايتضح فى وادى زيز ورهريس.

وتقودنا النتائج التى حصلنا عليها من نظام المعلومات الجغرافي  GIS الى تحديد أحزمة الخطارات المعرضة للخطر أكثر من غيرها. كما تقوم الأدوات أيضاً بتقدير التطور المناخى والبيئى فى منطقة طافيلالة والعلاقة بين العوامل الاجتماعية-الاقتصادية والممارسات الزراعية.

نتائج فحوص قائمة على نظام المعلومات الجغرافى لخطارات منطقة وادى زيز ورهيرس، بالمغرب، والتى تبين امكانيات احياء الوظائف الهيدرولوجية، اللون الأزرق يدل على ان حالتها مرضية، واللون الأزرق الغامق يدل على أن حالتها مرضية للغاية.

استراتيجيات ادارة المياه فى البتراء القديمة. معن هنيدى، على بلولد، عدنان صليحى، منذر خروف  (PNT ، الأردن)

كان مسح الشق والمنطقة المحيطة فى البتراء هو نقطة البداية لمشروع شامل صمم لفحص استراتيجيات ادارة المياه فى بترا القديمة. وقد بين مشروع الحفر والترميم فى الشق للمرة الأولى بوضوح دليلاً أثرياً لايمكن انكاره على بناء ووظيفية وتأريخ مثل هذا النظام. أدت عمليات المسح التالية فى الشق المظلم، ووادى متاهة، من جانب، وميدان الخزنة والشق الخارجى على الجانب الأخر، وبرامج البحوث الأثرية والهيدرولوجية المرتبطة بها، قد أدت الى نتائج أخرى تتعلق بنظام امداد المياه، وخاصة منع السيول. وبناءً على هذه النتائج،  أدى المسح الفعلى لكافة منطقة البتراء الى زيادة تفاصيلها كما تم تسجيل وتوثيق كل البقايا الظاهرة لنظام المدينة المائى. وأدى تقييم العناصر المسجلة الى عمل نموذج مبدئى لاستراتيجيات ادارة المياه فى البتراء قديماً. والأكثر من هذا أمكن تأسيس تسلسل تأريخى نسبى، يبين كيفية تطور سائر النظام عبر القرون، وكيفية تدهوره، وكيفية انهياره فى أخر المطاف. كما أمكن تحديد كل عنصر من عناصر النظام ووظيفته فى كل شبكة العمل وخصائصه الفنية والتركيبية.

وفى مرحلته الأخيرة، كان نظام امداد مياه النبع فى البتراء يغطى كل منطقة حوض المدينة، جالباً ماء النبع من الشرق، والجنوب والشمال الى المدينة. ويبين موقع الخزانات النهائية، أن كل أحياء المدينة الأربعة كانت لديها قنواتها الخاصة. وتقع المنابع الى الغرب من المدينة مثل النبع الوفير فى وادى صياغ ولكن لم يمكن استخدامها فى تزويد المدينة بالماء  لأنها جميعاً تقع فى مستوى أسفل مستوى المدينة.  وفى العادة كانت النوافير العمومية تزود سكان البتراء بماء الشرب، طبقا لما يحتمل اثباته من خلال الدار الكبيرة فى ظنطور، حيث كانت بعض أفخم المنازل على الأقل تتصل مباشرة بالخزانات العمومية. وقد بينت الدراسة البحثية بوضوح أن كل  قنوات مياه النبع كانت جميعها مغلقة ولم تجمع ماء السيح  بمحاذاة الجروف الصخرية، كما كان يعتقد من قبل. والأكثر من هذا أن الخمس قنوات كلها لم تكن لها تحويلات الى مناطق خارج حوض المدينة. أما التجهيزات المائية الوحيدة التى زودت من قنوات مياه النبع خارج حوض المدينة  والمكتشفة حتى الأن هى أربعة أحواض شرب حفرت فى الشق.

وقد بينت الحفائر فى الشق بوضوح أن مواسير التراكوتا (الفخارية) التى شيدت بها القناة هى أقدم ما نعرف أنه صنع على دولاب الخزاف.

نبع "جيحون سلوان" ونظمه المائية (فيا ماريس Via Maris ، فلسطين)

نبع\عين "جيحون سلوان" هو نبع مشهور ظل قيد الاستعمال منذ ألفى سنة قبل الميلاد. وقد حفزت أهميته للقدس الأهالى على مدى التاريخ فى التفكير جدياً فى أفضل السبل لادارة المياه. وهو ماعكسه تشييد الأنفاق والأبار والقنوات. ففى كل فترة تاريخية تقريباً، تم على الأقل بناء واحد أو اثنين من نظم المياه على نبع "جيحون سلوان" من أجل تعظيم استعمال مياهه. ويمكن اختصار النظم الرئيسية المرتبطة بهذا النبع فيما يلى:

1- بئر وارين الذى شيد أصلاً سنة 1800 ق. م.  وجرى توسيعه نحو 1100 ق. م. وكانت

     الوظيفة الرئيسية للبئر هى جلب الماء من نبع سلوان الى المدينة فى نفق مغطى. وكانت

     الفكرة تقتضى تغطية النبع والبئر من الأعداء وتزويد المدينة بماء النبع.

2- شيدت قناة سلوام بين 1200-1100 ق. م. وكانت الوظيفة الرئيسية للقناة هى تحسين نظم

     الرى باستخدام مياه سلوان.

3-  تم حفر نفق حزقيا سنة 701 ق. م. وكان الغرض منه نقل ماء النبع من خارج القدس الى

      بركة سلوام داخلها.

جرى القيام ببحث واسع حول النبع ونظم المياه المرتبطة به. وقد اشتملت دراسة نظم مياه سلوان الأعمال التالية:
  • مسح وتوثيق مواقع التراث الثقافى المتصلة بنبع سلوان.
  • تحليل نظم القنوات والأنفاق الأرضية المتصلة بنبع سلوان.
  • بحث الأبعاد الاجتماعية والثقافية لنظام الماء حول نبع سلوان.
  • عمل (على أكمل وجه ممكن) تحليل هندسى، حسابات مساحية، توثيق خرائط، والمعلومات الأخرى المتعلقة بكل التجهيزات المرتبطة بنبع سلوان على مدى تاريخه.
وقد ضمت الدراسة والتقارير العلمية المفصلة التى أصدرتها فيا ماريس كافة التحليلات للتجهيزات السابق الاشارة اليها أعلاه. ونتيجة لهذه التحليلات يمكن استنتاج أن أهالى القدس الأقدمين كانوا قد حددوا الخطوات الأربع التالية من أجل تقرير أفضل خيار لتخطيط وادارة المصادر المائية:
  • دراسة فعالية الخيارات فى زيادة امداد المياه المتوفرة. وهو ماعكسه تشييد بركة كبيرة قرب نبع سلوان لتجميع المياه المندفعة من النبع  فى بواكير القرن 18 ق. م. وقد زودت البركة المدينة بمدد مستمر من الماء لنحو 1500 ساكن. وقد استخدمت هذه البركة فيمابعد بتوصيل بئر وارين بنبع جيحون سلوان.
  •  دراسة خيارات التأثير البيئى. وهو ماعكسه تشييد قناة سلوام. وقد زادت القناة من تجميع ماء المطر، وأنقذت التنوع الحيوى بزيادة المناطق المنزرعة، وزيادة امداد المياه بتخزين الماء فى خزان على مقربة من الوادى، وزيادة استعمال ماء المطر فى الرى وهو ماوفر مياه النبع.
  • دراسة خيارات الامكانيات التقنية. وهو ماعكسه قرار تشييد نفق حزقيا بدلا من تغوير مستوى مياه نبع سلوان عن طريق بناء نظم الخزانات والصهاريج.
  • دراسة خيارات الامكانيات الاقتصادية. وهو ماعكسه توسع المدينة حول نبع سلوان كى يكون الناس بالقرب من مصادر المياه. وهو ماوفر الوقت والتكاليف التى يقتضيها بناء أنفاق أكثر.

صورة 12: نفق حزقيا صورة 13: نبع جيحون

نظام الصهريج فى غزة والضفة الغربية (فيا ماريس Via Maris ، فلسطين)

أدت ندرة الماء، الى أن توفير كل نقطة ماء صار هو السلوك المعتاد فى مدينة غزة على امتداد التاريخ. فقد جعلت الجيولوجيا والمناخ من المدينة مكانا مناسبا لتشييد الصهاريج من أجل جلب المياه وتوفيرها. وهذا النوع من تقنية جلب المياه تم تطبيقه فى العديد من الأماكن فى غزة، وخاصة حيث كانت عملية تجميع وتخزين ماء المطر متيسرة.

ومن النماذج الشائعة لاستعمال نظم الصهاريج ما نجده فى قلب مدينة غزة القديمة، وبالتحديد فى مكان يعرف ب"غزة البلد". وفى ذلك المكان، عثر على قسمين متصلين من نظام صهريجى فى المنطقة الخارجية ل"المسجد العمرى". وتعود أصول هذا المبنى الى العهود الرومانية حيث كانت يخدمها نظام صهريج تحت الأرض. وقد أفاد الأهالى القريبون من استعمال هذا النظام الصهريجى للتزود بالماء فى العصور الرومانية وأيضاً خلال العصور الاسلامية حتى العهد العثمانى.

وهناك اختلافات أساسية فى استخدام الصهاريج فى غزة وفى الضفة الغربية. ففى غزة حل تخزين المياه من خزانات جوفية الى أحواض مسقوفة محل استعمال صهاريج جلب المياه.  أما فى الضفة الغربية، فمايزال نظام الصهريج قيد الاستعمال لجلب وتخزين المياه. وفى بعض أماكن الضفة الغربية ماتزال الفكرة القديمة لاستباط المياه موضع التطبيق. وتم صيانة واستعمال بعض الصهاريج القديمة. وأحد النماذج المشهورة يوجد بمدينة البيرة بالقرب من رام الله. وكان هذا الصهريج قد تم تشييده فى العهد العثمانى داخل منزل كان يملكه فايز مشوشر. أما الأن فهو مملوك لمنظمة أهلية تسمى "رواق"  حيث يستخدم كمكتبة عامة.

وتؤكد الدراسة على عملية اعادة تأهيل الصهاريج فى كلا من غزة والضفة الغربية. ونتيجة لأعمال اعادة التأهيل لهذين الصهريجين، حيث تم اعداد خطة لاستعمال صهريج غزة للسياحة بينما  سيجرى تطوير صهريج الضفة الغربية كى يستعمل لتخزين المياه.

ادارة واستدامة المياه فى واحة الفيوم، مصر. (كلتناتCULTNAT ، مصر)

تقع واحة الفيوم الى الغرب من وادى النيل فى منخفض يفصله عن وادى النيل عازل مائى، وتشمل منطقة تبلغ تقريباً 6300 كم مربع. وتغطى واحة الفيوم الخصيبة المزروعة 1700 كم مربع. وحالياً، تروى الفيوم عن طريق قناة، تسمى بحر يوسف، تجرى بمحاذاة مجرى فرع طبيعى أقدم للنيل، تنحرف غربا خلال فجوة ضيقة عند اللاهون شمال اهناسيا.

وكجزء من مشروع الشادوف، اهتمت الأبحاث التى قامت بها كلتنات  بأعمال المياه التاريخية التى استخدمت فى الماضى لاستنباط وتنظيم جريان الماء من النيل الى المنخفض. وقد أدت الأبحاث الى التعرف على السدود التى شيدت أولاً خلال الدولة الوسطى (2055-1550 ق. م.) عند مدخل المصب الذى يصل الفيوم بالنيل. وأثناء فترات فيضانات النيل شديدة الانخفاض كان الاتصال ينقطع  بالنيل حيث يجف بحر يوسف. وأثناء الأسرة الثانية عشرة (1985-1795 ق. م.) قام ملوكها باعادة وصل منخفض الفيوم بالنيل، كما شيدوا سداً وحفروا خزاناً وهو مامكنهم من استيطان الفيوم عند مستوى أعلى من 18  م. فوق مستوى سطح البحر.

وتبين الأبحاث الحالية أن مستوى البحيرة كان على الأرجح مستقراً  عند 12 م. فوق مستوى سطح البحر، وأن الوظيفة الرئيسية لأعمال المياه بالدولة الوسطى كانت استصلاح الأراضى الزراعية. وكانت المياه الزائدة تحجز أمام السد فى خزان محفور والذى ضمن امداد الماء لعاصمة الدولة فى ذلك الوقت وهى اللشت، وللمدن الأقدم الى الشمال فى منطقة منف.

غير أن الاخفاقات المتكررة للسد حولت المنخفض الى بحيرة تحيط بها الأحراش بحلول عهد الدولة  الحديثة. وتعين الانتظار حتى العصر البطلمى لأجل البدء فى مشروع  استصلاح ضخم، الا أن المنطقة هجرت فيما بعد بأواخر العصر الرومانى حتى أعيد تأهيلها خلال القرن 13 ميلادية وأضيفت أعمال مائية رئيسية فى أواخر القرن 19 على يد محمد على والخديوى اسماعيل. وأدى توسيع رقعة الأرض الزراعية الى تخفيض منسوي البحيرة حيث توقف الأن عند 43 م. تحت مستوى سطح البحر.

واليوم، كما كان الحال فى العصور القديمة، يتم تنظيم تدفق المياه وربطها بشبكة الرى المركزية فى مصر. وتتعرض استدامة الفيوم حالياً للمخاطر التالية: الزراعة المكثفة ومن خصائصها استعمال الطلمبات والأسمدة والمبيدات؛ الزراعة فى كثير من المناطق لمحاصيل نهمة للمياه مثل الأرز (والذى لم يكن معروفاً فى العصور الفرعونية؛ استصلاح مناطق جديدة مما يستلزم ماءً أكثر؛ واستعمال الأساليب "التقليدية" للرى التى تتسبب فى هدر المياه؛ زيادة ملوحة البحيرة بماله من تأثيرات خطيرة على السمك والثروات المائية الأخرى؛ ارتفاع منسوب مياه البحيرة مما يهدد المنشئات على جوانب البحيرة والأرض الزراعية المتاخمة لها.

ان استدامة بيئة واحة الفيوم ونظم دعم-الحياة للسكان الحاليين سوف تحتاج الى اعادة اعتبار التوجهات الحالية الخاصة باستخدام الأرض والمحاصيل والرى. كما ينبغى المحافظة على منشئاتها المائية الأثرية والتاريخية، ومن ضمنها "سواقى المياه"، كمثل على حسن ادارة مصادر المياه فى الماضى.

تقرير عام حول التقنيات التقليدية لاستنباط وادارة المياه فى اليونان (ناجريف NAGREF ، اليونان)

على النقيض من الحضارات السابقة، مثل تلك التى شهدتها بلاد الرافدين ومصر، والتى قامت على استغلال مياه الأنهار الكبرى مثل دجلة والفرات والنيل، تميزت جزر بحر ايجة وكريت بوجود مصادر مياه طبيعية محدودة وغالبا غير كافية.  وهو ماعكسه عدد من  الأساطير المتعلقة بالبطل اليونانى القديم هرقل والسيطرة على الماء، وأشهر معالمها هو صراعه مع رب النهر أخيلوس.

ان أول مثال لادارة المياه فى أوروبا يأتى من بيوت العصر الحجر الحديث باليونان والتى تتمتع بنظم صرف ومجارى. ويتخذ أقدم مثال لتطبيق ادارة المياه شكل فتحات رأسية بسيطة فى جدران البيوت. ويمكن رؤية أحد أقدم الأمثلة فى مستوطنة العصر الحجرى الحديث فى ديمنى فى ثيسالى باليونان فى منتصف الألف الرابع ق. م. (أواخر العصر الحجر الحديث).

غير أن، التطوير المنتظم لادارة المياه فى اليونان يبدأ فى كريت بظهور مستوطنات كبيرة خلال بواكير العصر المينوى (حوالى 3500-2000 ق. م.). وأقدم الأمثلة هو مجرة صرف صحى ترجع الى منتصف الألف الثالث ق. م. (بواكير العصر المينوى IIA ) من بيت  أسفل الفناء الغربى للقصر فى كنوسوس.

وقد اشتمل تطور ادارة المياه جوانب مختلفة من مصادر المياه مثل اختلاس\استخراج الماء ونقله وتخزينه وتوزيعه، وبناء واستعمال النوافير، والاستعمال الترفيهى للماء بالاضافة الى معالجة وتصريف ماء الصرف الصحى. كما زودت المعالم الطبيعية من أنهار وينابيع الناس الذين عاشوا فى كريت فى عصر ماقبل التاريخ بالماء.

فى القصور والمستوطنات المينوية، كانت امدادات الماء تختلف تبعا للظروف المحلية، ومنها مايتعلق بالمناخ – ماء المطر بصفة أساسية -  ومنسوب المياه (الخزان الجوفى) والتضاريس. والنتيجة هى اتباع ممارسات مختلفة.  أما السلوك تجاه امداد المياه فى المستوطنات المينوية فقد اختلف بين من يعيشون على المرتفعات – مثل مستوطنة بواكير العصر المينوى III  فى تريبيتى فوق جبال أستيروسيا ومستوطنة أواخر العصر المينوى IA  فى زومينثوس الواقعة عند ارتفاع 1200 م. فوق سطح البحر على جبال بسيلوريتوس والتى كانت تعتمد على الينابيع وأحيانا على الثلج – على النقيض من أولئك الذين يعيشون فى الأراضى المنخفضة.

ومنذ بداية العصر البرونزى (حوالى 3500 ق. م.) وخاصة منذ بواكير العصر المينوى II  (حوالى 2900 – 2300 ق. م.) ومابعده، وخاصة بعد ظهور القصور المينوية فى منتصف العصر المينوى IB (حوالى 1900 ق. م.)  كانت امدادات المياه تجلب أيضاً بوسائل مختلفة مثل الأبار، والصهاريج والقنوات. ومن أهم التقنيات المميزة هو الاستعمال المعروف للمواسير الفخارية لنقل الماء، وأقدمها عثر عليها أسفل قصر كنوسوس، والذى يرجع الى منتصف العصر المينوى IB (حوالى 1900 ق. م.). ومع هذا، فان العمارة المينوية كانت قد تشكلت بأساليب يمكنها استغلال الامكانيات المتوفرة. وكانت الأسطح المستوية، ومناور الضوء والأفنية المكشوفة هى ثلاث من الملامح الرئيسية المتميزة لعمارة القصور المينوية. وقد لعبت كل هذه الملامح دوراً هاماً فى جلب المياه.  أما فى العصور الهيلينية والرومانية اللاحقة (323 ق. م. – 400 م.) فقد طبقت فى كريت للمرة الأولى مشاريع تتعلق بامدادات المياه للدويلات الكريتية. وقد تم استيعاب الصهاريج الهيلينية الضخمة داخل الآليات الدفاعية لتزويد الناس بالماء فى وقت الاضطرابات. وفى العصر الرومانى كانت أول شبكات التوزيع الحضرى الواسعة قد جرى تطبيقها فى كريت.

ان المشاركة اليونانية فى ناجريف تهدف الى وضع قاعدة بيانات متكاملة لتقنيات ادارة المياه وماء الصرف الصحى  فى كريت القديمة وتوضيح الاستراتيجيات المطبقة منذ العصر البرونزى حتى العصر الرومانى (حوالى 3500 ق. م. – 330 م.). كما تم فحص تقنيات معينة بطريقة أكثر تفصيلاً وكذلك أشكالها المختلفة، واضعين فى الاعتبار العوامل الاجتماعية والبيئية الخاصة والتى فرضت ادارة مختلفة. وتشمل الدراسة بيانات أثرية من الحفائر وعمليات المساحة فى أرجاء الجزيرة بالاشتراك - كلما أمكن – مع المتشابهات الاثنولوجية (العرقية). وعلى الجانب الأخر، فان اعادة انشاء الظروف المناخية التى كانت سائدة خلال فترة معينة هو أمر مقترح باستخدام دراسات تحليل حبوب اللقاح والتضاريس الأرضية والمصورات والنصوص، كما وثقت البيانات البيئية التى ترجع للعصور المتأخرة. وأخيراً، تم عرض اقتراحات لاستغلال امكانيات هذه التقنيات.

دراسة حالة ساسى فى ماتيره، بايطاليا (IPOGEA ،ايطاليا).

الساسى فى ماتيره هى نظام بيئى أسس بالكامل على جلب وادارة مياه المطر. ويتم استنباط المياه عن طريق الصهاريج الأرضية القديمة المحفورة فى الحجر الجيرى والتى تتزود بماء المطر من أسطح البيوت. كما تغذيها أيضاً أنفاق تتلقى ماء السيح من المنحدر وتنقلها الى قنوات طبيعية، ومدرجات، وأنفاق وصهاريج تشكل "حدائق معلقة".

وقد شيدت المدن بمحاذاة تخوم أودية عميقة، الجرافين، والتى لها قدرة ضئيلة لنقل الماء وغالباً تفتقد هذه القدرة تماماً. ولم تكن المستوطنات مبنية عند قاع الخانق كما يتوقع المرء من أداة تخزين مياه، لكن على الجزء الأعلى، بمحاذاة الهضبة وجوانبها الشديدة الانحدار. والواقع، ان المصادر المتاحة لمساكن الكهوف التى تشبه التيه فى ساسى بماتيره والمدن الأخرى المبنية بالحجر بمنطقة الجرافين، تنحصر فى المطر والندى التى تستنبط فى المصارف والمساكن الكهفية.

وبتطوير تقنيات ماقبل التاريخ الأصلية، ونظام سكنى معدل يستخدم خليط من تقنيات انتاج المياه المختلفة: الجلب والتقطير والتكثيف، أمكن القيام بها فى ساسى بماتيره. وخلال الأمطار المنهمرة، تقوم المدرجات ونظم جمع المياه بحماية المنحدرات من التأكل، حيث تسحب الجاذبية الماء الى أسفل ناحية الصهاريج داخل الكهوف. وأثناء فترات الجفاف، تمتص الكهوف المحفورة الرطوبة من الهواء أثناء الليل: ثم تتكثف الرطوبة فى الصهريج الأرضى النهائى، وهو دائم الامتلاء حتى لو لم يكن متصلا بالقنوات والمجارى الخارجية. والنتيجة هى خليط من المخازن الأرضية تعلوها أنفاق طويلة تمضى منحدرة الى أسفل الأرض. وتسمح انحداراتها لأشعة الشمس بالتغلغل الى القاع حيث تشتد الحاجة الى الحرارة. وفى الشتاء تكون أشعة الشمس أكثر انحرافاً مما يمكنها من اختراق المناطق أسفل الأرض. وخلال موسم الدفء، حين تبلغ الشمس أقصاها، فانها تشرق فقط على مدخل الكهوف تحت الأرضية، والتى تظل هكذا نقية ورطبة.

"صهاريج السطح"   لاتزال تستخدم الأن فى جنوب ايطاليا، وخاصة على هضبة مورج. وقد بنيت هذه الانشاءات عند قاع مفرق مياه، لتتصيد ماء السيح والرطوبة من التربة. وتتميز صهاريج السطح بسطح مائل، بينما مقدمتها التى تشكل نوعا من التيمبانوم (حلية مثلثة فوق الباب) تشبه المعابد والأضرحة. وطاقات استيعابها المائية  ربما تصل ألف متر مكعب من الماء. وقد استخدمت هذه النظم التقليدية فى المزارع، ولم يتم أبداً هجران هذه التقنية، كما يتضح من الصهاريج المشيدة خلال القرن الماضى.

وقد تم ترميم صهريج سطح يعود للقرن التاسع عشر، بواسطة ابوجيا  IPOGEA  فى ترانسيلو (داخل حدود محمية باركو ديللا مورجيا ماتيرنا)، بجوار وسط مدينة ماتيرا. وحينما فحص هذا الصهريج السطحى، كان مهجوراً تماماً، الا أن المنشأة المعمارية كانت فى حالة طيبة. وأثناء الترميم، تم تنظيف كلا من الأجزاء الداخلية والخارجية  للصهريج. وفى هذه المرحلة نفذت الأعمال التالية:
  • تنظيف خزان الماء وحجرة الصيانة والقنوات المستعملة لمرور الماء من غرف التحويل      الى الصهريج.
  • تم استخدام المواد المحفورة، وأغلبها خليط من الحجارة والتربة، كأساس للتربة المستقبلية.
  • تم باستخدام أدوات بستانية بسيطة نزع النباتات للمحافظة على ثبات وتماسك الجدر الحجرية المنحوتة من الحجر الجيرى.

وكانت المشاركة المحلية القوية واضحة منذ البداية، حين قرر موظفو شركة اتالسيمنت، التى عهدت بالترميم، ان يتعاونوا كمتطوعين خلال كافة مراحل التطوير بحماس شديد.