نظم المياه التقليدية فى الأراضى المجدبة بحوض البحر الأبيض المتوسط

تشمل أنظمة استنباط المياه التقليدية فى منطقة البحر الأبيض المتوسط بعض أقدم الوسائل المستديمة لاستنباط المياه فى الأراضى المجدبة. ان فهم هذه النظم التى دامت لألاف السنين لهو أمر بالغ الأهمية من أجل الجهود الحالية لمواجهة التصحر واصلاح البيئة الصحراوي المتردية فى وقت  يتسبب فيه التغير المناخى فى مضاعفة الخطر الذى تواجهه مناطق عديدة فى شمال افريقيا وجنوب غرب اسيا والمعرضة بشدة لتقلبات فى الظروف المناخية.

ويمكن تقسيم نظم استنباط المياه التقليدية على أساس عدد من المعايير. وعموماً، فان الاختلافات  ترجع غالباً لمصدر المياه. والمصادر الشائعة تشمل:
المطر، (1)
السيح وهو جريان المطر على سطح الأرض، (2)
المياه التى تفيض فى مجارى وقتية، تعرف بالأودية فى المنطقة العربية، (3)
فيضان الماء فى مجارى دائمة، (4)
المياه الجوفية من مصادر ضحلة أو عميقة، (5)
ماء من رطوبة الجو والندى، و (6)
مياه من الصقيع والثلوج. (7)

ويمكن تجميع مياه المطر فى المناطق الحضرية والريفية من سطوح المبانى والأفنية، وكذلك الشوارع فى خزانات أو للاستعمال مباشرة [أنظر الصورة المقابلة (أعلاه) لنظام تجميع الماء من سطوح المنازل فى فاس، المغرب]. ويمكن استغلال الرطوبة الجوية لتوفير الماء عن طريق تكثيفه على أكوام حجرية، واستعمال المظلات، والألواح الحجرية، وكذلك الكثبان الرملية (أفريج).  ومن أهم مصادر الماء لطريقة استنباط المياه التقليدية السيح – وهى المياه التى تجرى على سطح الأرض عقب هطول المطر. وغالباً ماتجرى محاولات لزيادة تسريب المياه الى الأرض وتقليل الكمية المفقودة بسبب البخر. ويزيد التسريب من رطوبة الأرض وهو مايحفز نمو النبات.  ويتم تحسين التسريب بتشييد معوقات سطحية (منخفضات ومرتفعات) بواسطة حفرالحفر والمنخفضات مع/أو تشييد مطبات ترابية وحواجر (حواجز ماء). كما يمكن أيضاً تسيير المياه السطحية خلال مجارى (أنابيب أو قنوات مفتوحة) حيث يمكن تخزينها للاستعمال فيمابعد فى صهاريج أو أحواض أو خزانات.

وهناك مصدر رئيسى أخر للمياه، وهو المياه التى تفيض موسميا أحيانا فى الأودية. ويمكن لهذه المياه أن تتغلغل فى الأرض أو تتبخر فى زمن قصير. ومن أجل تعظيم كمية المياه المستخدمة للزراعة واعادة توجيه فيضان الماء الى المواقع الحقلية عن طريق الجسور والسدود الحجرية، والجدران والحواجز. ويمكن أيضاً تخزين هذه المياه فى خزانات وأحواض وصهاريج. وغالباً ماتشيد الحدلات (مساطب على سفوح المنحدرات الجبلية) لأجل تحسين التسرب من مياه الوادى وكذلك المياه السطحية.

وحيثما توجد انهار دائمة فى أراضى قاحلة، مثلما هو حال مصر وبلاد الرافدين، تم استخدام طرق مبتكرة لادارة المياه كى يصبح الماء متوفراً حيثما وحينما يحتاج اليه. ولهذا تم تطوير الطرق التقليدية لتوجيه المياه الى الحقول الزراعية بحفر القنوات وبالتخلص من المياه الزائدة عن طريق المصارف. كما تشيد أيضاً الجسور لانشاء أحواض  لتحسين تسريب المياه. كما تشيد الأطردة أيضاً للحيلولة دون خراب قد يسببه الفيضان الجامح. وفى بعض الحالات، يتم تشييد السدود والخزانات من أجل استصلاح الأرض وتنظيم وفرة المياه، ومنها تخزين الماء للتغلب على الجفاف.

وأحد المصادر الرئيسية للمياه فى الأراضى القاحلة هو المياه الجوفية. وهذا المصدر المائى يمكن تجديده سنويا من مياه المطر المحلى أو الاقليمى. غير أنه، فى حالات أخرى، ربما يكون مصدر المياه الجوفية غير قابل للتجديد. وفى الصحراء، ربما يصل عمر الماء الى 30 ألف سنة. وكان استغلال المياه الجوفية هو أحد الوسائل الرئيسية التى حافظت على ديمومة الحياة وسط الصحراوات الجدباء بمنطقة البحر الأبيض المتوسط. وبالاضافة  الى الآبار، فان واحداً من أكثر النظم عبقرية قد بنى على أساس نقل الماء عن طريق نفق أرضى من مصدر مائى فى المرتفعات عبر مسافات طويلة الى الحقول المنخفضة. وهذا النظام ، الذى طور على أفضل وجه فى ايران حيث يدعى "قناة"، وهو معروف حول كافة أرجاء البحر الأبيض المتوسط من المغرب حيث يعرف ب "الخطارة" والجزائر حيث يعرف ب "الفجارات"، الى ايطاليا. [أنظر صورة منافذ البئر المرتبطة بفجارات فى أدرار بالجزائر. حيث تحفر الأبار بفواصل من 20 الى 40 متر وتستخدم مبدئياً لحفر النفق، وتستخدم لاحقاً للتهوية وأعمال الصيانة].

[رسم توضيحى لنظام قناة يبين النفق والأبار الرأسية. ويتم استنباط الماء من الجزء العلوى من خزان المياه الجوفية ونقله عبر النفق (يمين) الىى حيث يمكن استخدامه فى الرى والاستعمالات المنزلية وغيرها].

وفى المناطق الحضرية، كانت القنوات (aqueducts) تستخدم منذ فجر التاريخ لتزويد المدن بالمياه من مصادر بعيدة، كما فى فلسطين والأردن واليونان وايطاليا.

[أنظر القناة المينوية فى كريت (يسار) والقناة النبطية فى البتراء (يمين). الصور بواسطة NAGREF و PNT بالترتيب].

وبالاضافة الى استنباط المياه، فان الادارة التقليدية للمصادر المائية تشمل طرقاً لرفع الماء من مستوى الى مستوى أعلى. وهو مايسمح بتوفير الماء الى الأراضى المرتفعة والتى لايرويها الماء عادة. ويمكن رفع الماء من مصدر طبيعى، غير أنها غالبا تأتى من الأبار والصهاريج والخزانات كما يمكن ضمها الى تقنيات استنباط الماء المختلفة. يعتبر الشادوف أحد أقدم أدوات رفع الماء. وكان عادة فى غاية الشيوع حول البحر الأبيض المتوسط، كما كان قيد الاستخدام فى مناطق أخرى مثل فنلندا حتى القرن 19. وتشمل الطرق التقليدية الأخرى لرفع الماء الساقية والناعورة والطمبور (بريمة أرخميدس). وقد مكنت هذه الوسائل الناس ليس فقط من توسيع المناطق المزروعة، وانما كانت أيضاً فى غاية الأهمية فى تطوير الميكانيكا التطبيقية وعلم الهندسة.

[أنظر صورة استخدام الشادوف لرفع  الماء من بئر فى تالمين، الجزائر: تصوير SUD TIMMI].

وحول كافة أرجاء البحر الأبيض المتوسط كانت المياه تستنبط وتخزن فى صهاريج أرضية. ويمكن حفر الصهاريج فى الصخور أو صنعها من الفخار. وهى تختلف كثيراً فى الحجم كما أنها يمكن أن تكون مبطنة أو غير مبطنة.، وربما يكون بها قسم للترشيح.  [أنظر الصورة والشكل التوضيحى لصهريج مسقوف فى ماتيره، ايطاليا (أسفل) وصهريج من كريت، اليونان (أعلى يمين): الصور من NAGREF و IPOGEA].

أحد أهم عناصر الادارة التقليدية للمياه هو تخصيص الماء. حيث تستخدم أنظمة مختلفة لقياس وتوزيع أنصبة الماء. ويشكل هذا أحد المكونات الأساسية لنظم ادارة المياه التقليدية حيث تصبح للعوامل الاجتماعية دوراً خطيراً فى المحافظة على سائر النظام. [صورة أداة تستخدم لتوزيع أنصبة الماء الى مستخدمين مختلفين من فجارة فى أدرار، الجزائر].